بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 6 مايو 2010

حكاية البيروقراطية....

حدثني أحد  أصدقائي الموظفين في إحدى الإدارات، قال:"  كانت هناك نملة تعمل في إدارة، وكانت نشيطة متحمسة في عملها، تعمل بجد واقتدار ومهارة في كل ما أوكل إليها من الإدارة المركزية، وتنجز مهامها بكل جدارة وإتقان وفي أسرع الأوقات، مما استرعى انتباه رؤسائها، فقرروا المحافظة على وتيرة العمل عندها ودراسة كيفية عملها، فأرسلوا صرصورا كسولا  ليراقبها ويرفع تقارير متواصلة عنها، تسلم الصرصور عمله الجديد وكان عليه أن ينجز في كل يوم تقارير إحصائية لأعمال النملة، وطريقة اشتغالها، ويقوم برقنها وإرسالها إلى الإدارة المركزية، ولما كانت النملة نشيطة استعصت عليه مجاراتها، وبعد مدة قرر أن يطلب موظفا جديدا لمساعدته، وشيئا فشيئا تكاثر الصراصير والخنافس ما بين من ينجز التقارير ويرسلها ومن يقوم على خدمته وإعداد الشاي والقهوة،ومن يقوم بشراء لوازم المشروبات وإعداد صفقات الشراء..وإحضار الجرائد  وتوزيعها على الموظفين... واحتاجت النملة إلى اقتطاع جزء من الوقت الذي كانت تصرفه في القيام بمهامها للإجابة على أسئلة الموظفين المحيطين بها فيما يتعلق بعملها، كما كانت مضطرة في كل مرة يعين فيها موظف جديد أن تترك عملها وتتفرغ لإخباره بطرق الاشتغال وحيثيات الإنجاز ، فأدى ذلك  إلى تناقص وتيرة عملها، ولفت ذلك نظر الإدارة المركزية التي سارعت إلى إرسال لجنة من الخنافس لدراسة الوضع. حلت اللجنة بالإدارة وبقيت عدة أيام لتقييم الحالة ودراستها، وبعد تحليل مستفيض خلصت إلى أن المسؤول الأول والأخير عن تراكم الأشغال هو النملة، فحررت تقريرا مطولا أرسلته إلى المدير المركزي الذي بنى عليه قراره النهائي بطرد النملة من العمل، لأنها لم تعد تنجز الأعمال المطلوبة في الأوقات المحددة..."

الأربعاء، 28 أبريل 2010

المكتبة العياشية في الرباط.

حضرت مؤخرا ندوة علمية مهمة بدعوة من المكتبة الوطنية بالرباط حول المكتبة العياشية، شارك فيها ثلة من الباحثين والمهتمين أدلى كل واحد منهم بدلوه في الحديث حول هذه المكتبة وحيثيات إنشائها وتطورها وتنظيمها ومحتوياتها المخطوطة  النادرة، وتأتي هذه الندوة في سياق اهتمام جديد بهذه المكتبة المستقرة في قلب جبال الطلس الكبير الشرقي في منطقة الرشيدية، في الوقت الذي عملت وزارة الأوقاف على بناء مقر جديد بمرافق ثقافية وعلمية مهمة، وتوقيع المكتبة الوطنية اتفاقية للصيانة والرقمنة.
ولقد سررت بهذه الدعوة الكريمة التي وجهت إلي للمشاركة في أعمال هذا اليوم، وكانت الندوة ناجحة بكل المقاييس فقد كان عدد المحاضرين محدودا، وكان جمهور المتابعين على قدر كبير من الدراية والمتابعة، تجلت في النقاشات الغنية التي أثاروها والإضافات الثرة للعروض المقدمة، كما كان التنظيم محكما ودقيقا بهمة الأستاذ الدكتور الحسن تاوشيخت مدير قطب التدبير والمحافظة بالخزانة الوطنية.
لقد تجسد في هذه الندوة ذلك التلاحم المتين بين التراث وأنصاره ومحبيه أولائك الذين يقدرونه ويعرفون قيمته في نهضة المجتمع وترشيد تنميته والحفاظ على قيمه العريقة، وبين مختلف الهيئات المسهمة في تنظيم هذا الملتقى من معاهد ومؤسسات حكومية مركزية ومجالس جهوية وجماعات محلية.
كما تبلورت خلال هذه اللقاء مفاهيم دقيقة للتراث المغربي والعلاقة بين تنوعه الغني وأصالته المبدعة، وبين اختلاف لغاته وألسنته، ووحدة المجتمع الذي نشأ فيه وتطور، وقد بدا وكأن هؤلاء الباحثين - خاصة الذين تعرضوا لجذور هذا التراث وأصوله - وكأنهم اتفقوا على أن هذاالتنوع دليل الوحدة التي جسدها المغاربة في عنايتهم بالعلم واحتفائهم باللغة العربية، وعدم تفريطهم في لغاتهم المحلية الأمازيغية وغيرها، وتشبتهم بالعقيدة الإسلامية والشرع الحنيف، وارتباطهم بالشرعية، ومن نادر المصادفات أن هذا التصور الشامل العميق الذي صدر عنه الباحثون المشاركون، سبق إلى الإشارة إليه والتوطئة له الأستاذ إدريس خروز مدير المكتبة الوطنية في كلمته المتميزة في الجلسة الافتتاحية للندوة.
لقد كانت هذه الندوة فرصة جديدة لإبراز جانب مهمل من حضارة المغرب وإبداعه وإخلاصه للعلم والمعرفة والثقافة والفكر، هذا الجانب الذي تمثله المكتبة العياشية، رجائي الحار أن ياتفت إلى باقي مراكز المعرفة في المغرب إلى المكتبات الخاصة التي تشهد نزيفا يوميا للتراث المغربي نحو بلاد أخرى تعاني الجفاف وتريد أن تستر عورتها التراثية باستجلاب وادعاء التراث المغربي الذي يأبى وهو في هذه الغربة المميتة إلا أن يبرز هويته وانتماءه من خلال مضامينه وخطه وزخارفه وتوقيعات النساخ والملاك.. فهل ننتبه إلى هذا التراث الغني قبل فوات الأوان ؟؟..
في ختام هذا اللقاء العلمي الثري طرحت بعض التوصيات منها عقد لقاء جديد بالزاوية نفسها بعد تجديدها، وطبع أعمال هذه الندوة العلمية ضمن منشورات المكتبة الوطنية..
قريبا بحول الله سأتيح الاستماع إلى كافة عروض الندوة في هذه المدونة، بعدما قام بتسجيلها الأخ الكريم الأستاذ لحسن أيت الفقيه وأتحفني بأريحية وسخاء بنسخة منها، فله جزيل الشكر والتقدير.
والسلام
رابط برنامج الندوة


السبت، 17 أبريل 2010

ندوة العلامة امحمد بن علي أكبيل الهوزالي

الحاضرون في الجلسة الافتتاحية للندوة( تصوير يوسف أمين)

يسر لي الله سبحانه وتعالى المشاركة في ندوة العلامة امحمد بن علي أكبيل الهوزالي التي نظمها فريق البحث في التراث السوسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير بتعاون مع المجلس العلمي المحلي لتارودانت وجمعية تمونت إندوزال، وقد كان الإعداد لهذه الندوة الوطنية قد بدأ منذ عدة شهور واستغرق جهودا وتنسيقا بين الأطراف المنظمة، غير أنه  - والحمد لله - كان ميسرا بسبب وعي كل الأطراف المشاركة وفهمها لأبعاد الندوة وأهدافها، مما أدى إلى تذليل كل الصعاب وتجاوزها، فمرت الندوة في أحسن الظروف والأحوال، وتمكن غالب المدعويين من الحضور ..
نظمت الندوة بمنطقة إكبيلن بقبيلة إندوزال التي تبعد عن مدينة تارودانت  حوالي 50 كلم، كانت أجواء الحماس ونسمات الربيع تتعانق في الخيمة الفخيمة  الضخمة التي ضمت المشاركين جميعا  ( تتسع لحوالي 1000 مقعد) وكانت ذكرى العلامة امحمد بن علي أكبيل تشع على الجميع محبة وألفة وبهجة وسرورا، والحديث عن حياته ومنجزاته العلمية والتعليمية تثير لواعج النفوس وكوامن الصدور، وبين الحين والأخر تسمع ترنمات بعض الحاضرين بمقاطع من الحوض أو بحر الدموع..
كانت هذه الذكرى الفريدة فرصة لتذكر جانب منسي من التراث المغربي الثري، ذلك هو التراث الأمازيغي السوسي ( بلغة تاشلحيت) الذي ضم جهود السلف الصالح من علماء المنطقة في ترجمة العلوم الشرعية إلى لغتهم اليومية،  ذلك أن هؤلاء العلماء هم رواد مجتمعاتهم، قد ذاقوا ما في فهم الإسلام وإخلاص العبادة لله وحده من أمن وسلام، ورغبوا - بما فيهم من خصال الإيثار والمحبة - أن يقربوا لإخوانهم وجيرانهم وأقاربهم هذا الخير الذي وقفوا عليه، وهذه النعمة التي اطلعوا عليها، فشمروا عن ساعد الجد وتفرغوا للعمل المضني، فأثمرت جهودهم، وأخرجوا إلى بني جلدتهم عشرات الكتب والمنظومات  حول الإسلام عقيدة وشريعة وفقه ومعاملة وسلوكا وتربية، يسرت العسير وقربت البعيد وأدنت النائي، ولم يتحقق ما نراه في السلف من قيم المحافظة على الصلاة والاعتزاز بالعقيدة والتزام أوامر الله سبحانه وتعالى واجتناب نواهيه، إلا من عمل هؤلاء المؤلفين ومن سار على هديهم من الوعاظ والدعاة الذين حفظوا هذه الترجمات واستظهروها وأنشدوها في المساجد والزوايا والمدارس والمواسم والمناسبات، فوصلت ترانيمها إلى الآذان وتغلغلت معانيها في النفوس، ومست شغاف القلوب الساهية اللاهية فأيقظت منها العزائم وأحييت فيها الهمم، فأثمر ذلك كله عملا صالحا بنّاء وإنجازات عظمى شهدها التاريخ وشهد لها، حتى بلغ المغاربة في التدين ما عرفه القاصي والداني وقيده الرحالة والإخباريون في مدوناتهم وسارت بذكره الركبان.
نسخة من مخطوط الحوض للعلامة أكبيل  من معرض الندوة ( تصوير إبراهيم أمزيل)

تذكرت هذا كله وأنا أفكر في أول عهدي بالكتاب، كتاب الحوض، كنت آنذاك فتى مراهقا، وقد طبع الجزء الأول منه بعناية المرحوم عبد الرحمان الجشتيمي الرحماني سنة 1977، وقد اقتني والدي حفظه الله نسخة منه فأخذتها وحاولت قراءتها وتتبع حروفها المستعصية عليّ في البداية، وصرت أتلو من بداياتها حتى حفظت مقدمته منذ ذلك الوقت وظلت راسخة في ذاكرتي حتى الآن، كما كنت أتردد على أحد "الطلبة" - وقد توفي منذ زمن رحمه الله - وكان بقالا فسألته عن "الحوض" مرة فوجدته يحفظ بعضه فكنت أحاول مسابقته في الاستظهار.. فكان لذلك وقع عجيب في نفسي واكتشاف بدا لي غريبا وقتها، ثم عدت إلى الكتاب مرات ومرات خاصة عندما ساقتني القدرة إلى تراث سوس دارسا وباحثا، فاطلعت على مؤلفات أخرى للعلامة أكبيل مثل تنبيه الإخوان إلى ترك البدع والعصيان وكتاب بحر الدموع..فوجدت الرجل سنيا متمسكا بمنطوق السنة لا يحيد عنه، وخبيرا بأوضاع مجتمعه وأمراضه  وكيفية مداواتها، ولا أنسى هنا كذلك بعض ما أثارني في مؤلفات هذا العلامة المخلص، ذلك هو اهتمام المستشرقين به، وكنت قد وقفت على نشرة لبحر الدموع بخزانة المجلس العلمي لمدينة تزنيت نحو سنة 1991 نشرها أحد المستشرقين بمدينة ليدن بهولندا. 
وأمر آخر تجلى لي في هذه الندوة المباركة - التي صادفت يوم الجمعة المبارك- وهو قيمة التعاون، فقد تعاونت جهات كثيرة في التنظيم وتآزرت جهود المحسنين المسهمين بالمال، والعلماء والباحثين المشاركين بما عرفهم الله من علم وفكر، وأصحاب السلطة بما في أيديهم من سلطة الأمر والنهي والاستشارة والتطبيق، وخبراء التنظيم بما عرفوا من تدبير وتقدير، وكل الحاضرين بما فيهم من نية حسنة ومحبة للعلم والعلماء ورغبة في مجالس الخير، فكانت هذه الندوة مثل  روضة غناء حافلة بأنواع الورود والأزاهير مختلفة الألوان والروائح العطرة الطيبة والثمار المختلفة، لا يخلو من دخلها من فائدة يجنيها، إما من طيب الرائحة أو جمال اللون، أو نافع الثمار أو لذيذ العسل، أو عذب المياه الصافية الرقراقة.. 
ولعل اكثر ما أثار الحاضرين وأشجاهم منظر الفتية الصغار من قرية أنيّ بإندوزال - غير بعيد عن مدرسة إكبيلن - وهم يترنمون بأصواتهم الطفولية البريئة - في ختام الجلسة الافتتاحية - بباب الطهارة من منظومة الحوض، ترنما نغميا مؤثرا مجسدا لما في هذه المنظومة العلمية من مضامين سديدة وما عرضت فيه من قالب إيقاعي مناسب وما ورد فيها من معان وعظية تخاطب القلب والوجدان معا وتؤثر في العقل والفؤاد لتهزهما هزا عنيفا تارة أو خفيفا حانيا تارة أخرى، لعل القلب يخشع والعقل يخنع لما أراد الله له من هداية وتوبة.
هذه مشاعر تحس ولا تشرح ولعل مشاهدة بعض صور الندوة والاستماع إلى ما ورد فيها من عروض وبحوث وإنشادات يقرب الصورة ويجعلها في متناول العين والفهم..وهذا ما نرجوه قريبا في موقع الندوة على الشبكة، وإلى لقاء قريب بحول الله والسلام عليكم.

السبت، 27 مارس 2010

كتاب جديد صدر

إن من نعم  الله تعالى على المغرب اهتمام الأجيال الجديدة بالتراث واحتفاء العلماء والمثقفين بإخراج ذخائره الثمينة من كتب ووثائق ونصوص، وهذه الذخائر تمثل هوية الأمة ومكونات بقائها وخصائصها الحضارية والنفسية، ومدارها كلها حول العقيدة الإسلامية السمحة وحول الدين والشرع الحنيف، فهو الذي يكون الأساس الذي انبثقت منه روح الحياة عند المسلمين، وبرزت قوة الإبداع والخلق، وفطنة الإنتاج والتطوير والتنمية،ولا يمكن للأمة أن تعود إلى سابق مجدها ما لم تتجه النيات لخدمة هذا التراث بوصفه وسيلة للنهضة وطريقة للتفكير وواسطة للإبداع، غير أن هذه العناية لابد أن تكون برؤية روية وتفكير عميق، يتبين الطريق ويستغل الإمكانات. وما من شك أن التراث لا يصلح كله، بل فيه - لأنه نتاج بشري يحتمل الخطأ والصواب بحسب قربه من روح  الوحي أو بعده عنها - ما لا يصلح من مكونات دخيلة وأفكار منحرفة، وفيه كذلك كنوز مشعة ومعادن ثمينة تصلح للبناء والتشييد.
ولذلك كله لابد لنا من العناية بتراثنا المغربي، عن طريق العناية بتراث جهات وطننا، وتنافس الباحثين في كل منطقة في التحقيق والنشر والطبع، ومن حصيلة هذا النشاط سنعرف تراثنا المغربي على حقيقته، وهي حقيقة نعرف والحمد لله عمومها، ولا تنقصنا إلا التفاصيل..
وإن مما يسر البال ويريحه أن نرى الكتب تترى في منطقة سوس، فتصدر كتب حول الأعلام والمدارس.. وكتب مخطوطة اشتهر ذكرها وقل من رآها أو طالعها إلا من الباحثين المتخصصين، فكأنها الهاتف يسمع صوته ولا يرى شخصه، ومن هذه الكتب " الحضيكيون" لأبي زيد عبد الرحمان الجشتيمي ( ت 1269هـ) في التعريف بالشيخ الحضيكي وتلامذته، وهو سفر جليل وعلق ثمين، قل أن تجود به سوس وغير سوس من البوادي والحواضر،قال عنه العلامة محمد المختار السوسي: "ثم جاء عبد الرحمان الجشتيمي بعد الحضيكي، فجمع أصحاب الحضيكي ومعاصريهم جمعا حسنا، وقلمه أعلى من نفس كل السوسيين المؤلفين قبله، لمكانته في الأدب، وقد سميناه ''الحضيكيون'' 
جمع المؤلف في الكتاب أعلام زملائه في الأخذ وحرر أخبارهم وذكر ما وقف عليه من سيرهم وما مهروا فيه من العلوم، وفائدة الكتاب في مجال التاريخ غير خفية، وكذلك في مجال العلم والأدب والسياسة والفكر والتربية..
هذا الكتاب صدر بمجهود حثيث للمجلس العلمي المحلي لمدينة تارودانت حاضرة سوس، بهمة رئيس المجلس أستاذي الدكتور اليزيد الراضي، الذي جمع أعضاء المجلس على تحقيق الكتاب وضبطه وإخراجه في حلة قشيبة تسر العين والقلب، وتشفي غلة الباحث المنتهي والطالب المبتديء، وتيسر الاطلاع على تاريخ المنطقة ورجالاتها وأعمالهم حتى يُتبين كيف كان السلف رحمهم الله همة وفضلا وإيمانا وصلاحا، وكيف ينبغي أن يكون الخلف دراسة وفهما واتباعا، ونظرا في الوحي لمعرفة الحق به وأخذ ما يصلح من ميراث الأجداد وطرح ما لا يصلح، هذا ما يستفاد من هذا الكتاب الذي صدر منذ أيام ضمن منشورات المجلس العلمي المحلي لتارودانت في 184 صفحة من القطع المتوسط بما في ذلك الفهارس، وضم 74 ترجمة، غالبها غير مذكور في أي كتاب آخر.. والله الموفق، والسلام

الاثنين، 8 مارس 2010

كتاب جديد..



لا تفتأ حركة التأليف مستمرة بدون انقطاع، مختلفة الأشكال والأنواع والمضامين، معبرة عن تطلع الإنسان إلى المعرفة، والمزيد من المعرفة لذاته ولغيره وللكون، وإذا استطاع الإنسان أن يعرف كثيرا من أسرار الطبيعة من حوله فبلغ عنان السماء بل تجاوزه، ونزل إلى أعماق الأرض وغاص في أعماق البحار، وتجاوز الأعماق الممكنة فأناب الآت واطلع على الأسرار المخبوءة عن عينيه، فإنه عجر عن إدراك كنه نفسه وأسرار ذاته وخبايا مجتمعه، لأنه عاجز ضعيف عن إدراك تلك الخفايا لا يسعفه عقله مهما تجبر ولا تنصفه حواسه ولو تقوت بالآت والأدوات..
وفي سياق تأمل الذات ومعرفتها اشتغل الناس قديما بدراسة الأعلام وتأمل حياة العظماء لاستشراف أسباب تفوقهم على غيرهم وبروزهم في عصرهم وسطوع شموسهم حين كسفت نجوم غيرهم..ولاشك أن هذا الباب من أجلّ أبواب التأليف لأن منه تؤخذ العبر وتستشف الفوائد، فما انتفع الانسان بأفضل من النظر إلى حياة غيره وما اتعظ بأفضل مما وقع لمثله من بني جنسه، لذلك حفل القرآن الكريم بقصص السابقين من الصالحين او الطالحين، من الأتقياء المهتدين أو الأشقياء الضالين ..
في ظل هذا التصور نعرض اليوم لصدور كتاب جديد من منشورات فريق البحث في التراث السوسي الذي يشتغل في مجال النبش في التراث الجهوي لمنطقة سوس منذ ست عشرة سنة خلت، ذلك هو كتاب الحاج الحبيب البوشواري، هذا العلم العالم المعمر المشهور بجهاده للاستعمار الفرنسي، وصبره على التعليم لمدة تزيد عن السبعين سنة، تخرج عليه فيها أجيال من العلماء والفقهاء جيلا بعد جيل، وقد تميز بميزات كثيرة لعل أبرزها صلاحه ولطفه وسعة أخلاقه وزهده في متاع الدنيا ونصحه الناس وتمسكه بالسنة ونبذه البدعن وحرصه على وحدة المجتمع، وأسلوب اللطيف في الإرشاد والتوجيه، وأفضل من وصفه معاصره العلامة محمد المختار السوسي، حين قال عنه

:" العلامة الجليل، الشيخ البركة النفاعة الصالح المدرس طوال عمره ..فذ غير مشَارك بين الحياء أمثاله في خصال شتى، فقد كان من طبقة كانت تخُبّ وتضع في عمارة مدارس جُزولة .. يستفرغ جهوده في الإكباب على التدريس، لا شغل له ولا همة إلا في ذلك، فلا مال ولا أوراد، ولا تشوف إلا لنفع الطلبة تعليما وإعانة وتهذيبا وتموينا.. إنني انظر إلى فذ قلما يوجد له نظير في أقرانه، وسيكتب عنه تلاميذه النجباء، وسيخلد ذكره منهم الشعراء" ( المعسول17/282)

وبعد، فقد عاش العلامة الحاج الحبيب 118 سنة توفي بعدها سنة 1397/  1977 وها قد مرت أزيد من ثلاثين سنة على وفاته وقد صدّق القدر العلامة السوسي فألف عنه تلاميذه ثلاثة كتب منهتا المطبوع والمرقون والضائع ، وخلد ذكره الشعراء في هذا الكتاب وغيره، وبقي ذكره عذبا تستلذه ألسن الذاكرين وآذان السامعين، رحمه الله تعالى وأسبل عليه المغفرة و الرضوان.

صدر الكتاب ضمن منشورات فريق البحث في التراث السوسي بكلية الآداب بأكادير بدعم من المجلس البلدي لمدينة بويكرى سنة 2009، وستصدر الطبعة الثانية من الكتاب في خضم السنة الجارية بحول الله تعالى وقوته.