بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 16 مايو 2010

تراثنا والفرصة الضائع..

شاهدت منذ مدة شريطا قصيرا بمناسبة المعرض المقام بأنكلترا حول الحضارة الإسلامية تحت عنوان " ألف اختراع واختراع..1001inventions" المنظم في شهر يناير الفارط، وهو معرض يعنى بعرض اختراعات المسلمين التي أثرت ولازالت تؤثر في حياة الناس اليوم في بيوتهم وفي مدارسهم ومستشفياتهم ومدنهم.. وغير ذلك، لقد امتعني هذا الشريط كثيرا كما أمتع كثيرين حتى إنه نال جوائز كثيرة في مهرجانات الأفلام،حقا لقد أغفل الشريط أسس ودوافع الإبداع عند المسلمين، إلا أنه مفيد لطرافة موضوعه ولجودة إخراجه وتنسيقه، ولكونه شريطا تربويا غاية في الإفادة، كما دفعني التفكير فيه وفي حيثيات إنتاجه إلى تسجيل جملة ملاحظات، أؤجل سردها إلى حين، والآن مع الشريط الرائق، وهو منقول من موقع قناتك.


شاهدت هذا الشريط، وبقدر ما أمتعني وأسعدني ما ورد فيه من أفكار، والطريقة التي قدمت بها منجزات الأجداد، تلك المنجزات التي شارك في إبداعها المسلمون من كل الأقطار ومن كلا الجنسين، حينما كان المبدأ الذي وحدهم هو لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحينما كان التفاضل بالتقوى في العقيدة والإحسان في العبادة والمعاملة، حينما كانت الدنيا مشرقة بروح إيمان المؤمنين وصدقهم.
 بقدر ما أسعدني ذلك كله  شعرت بالحزن والأسف لما آل إليه حالنا في عصرنا الحديث من ناحية ولما يعكسه هذا الشريط - إذا قورن بالواقع - من ضعف الأمة وتخاذلها وانتشار الجهل والأمية وسط أبنائها، ليست فقط بين عامة الناس ودهمائهم ولكن في النخب الممسكة بمقاليد الأمور، تلك النخب التي لا تدرك عظمة هذه الحضارة وقوتها، ولا تعرف كيفية الاستفادة منها، وإنما حظها مظاهر خادعة وكلمات مرصعة تزخرف بها خطب المناسبات..
كل ذلك جعلني أتساءل هل نستحق فعلا أن نكون أحفاد أولئك العظماء من العلماء الذين أجهدوا أفكارهم في خدمة الوحي فهداهم إلى سبيل الرشاد ووضع أيديهم على أسرار الخلق والوجود، وسددهم إلى  رؤية ما لم يره غيرهم قبلهم.. هل نستحق الانتماء إلى هذه الأمة الراشدة المهدية؟ أم أننا طغام جاهل بليد لا فائدة فيه خلفته تلك الموجة الحضارية العظيمة وراءها غثاء كغثاء السيل، يزجي الأيام بالانتساب ولم يصنع في يومه ما يؤكد صلته بمن رحل قبله من الصانعين العظام..
أمر آخر وقفت عنده، وهو الفكرة التربوية التعلمية للشريط، التي جسدت فكرة أساسية طالما تغنى بها الكتاب والمفكرون وحاضر حولها الفلاسفة المؤرخون، وهي سبق الحضارة الإسلامية في كثير من ميادين الحضارة والفكر والعلم وإسهامها الثر في كل المجالات..وكثيرا ما صمّ المستشرقون ومن تابعهم من الجاحدين آذانهم حتى لا يسمعوا هذه الحقائق وأغلقوا أعينهم كي لا يروها، وقد أحسن منتج الشريط فخاطب عامة الناس في الغرب وفي الشرق معا، وترك المتخصصين لهمومهم، وما يهمنا نحن هنا ليس عزف اللحن القديم الممل حول المسلمين وأعمالهم، وإنما نقصد ماذا سنفعل بعد هذا؟ معرض حول اختراعات المسلمين في لندن وشريط يحصد الجوائز ؟؟؟ أين نحن من كل ذلك، هل نبقى عاجزين عن خدمة التراث بالتعريف به وذلك أضعف الإيمان..؟ متى سنضع أيدينا على هذا التراث لا لنحفظه ونقدسه ونجله، ولكن لنخدمه بنخله وفصل البعر فيه عن الجوهر، وأخذ العناصر النافعة منه وجعلها وسيلة لتنمية الإنسان والمجتمع، ووضع خطط التطوير بعيدا عن كل بهرجة وزيف، متى سنعطي القوس باريها فنخدم هذا التراث في الإعلام بإبرازه وجعل رجاله ونسائه مثلا يحتذى، وفي التعليم بالرجوع إليه والاستفادة مما فيه من مناهج وطرق ومعارف، وفي الأسرة بإحياء الارتباط العائلي وتقديس علاقات المحبة والتواصل بين ذوي الرحم، وفي الاقتصاد بإحياء اجتهاد علماء الإسلام في تدبير المال وتنميته وجعله وسيلة لتكريم الإنسان لا غاية نتيجتها إذلاله، وفي القانون ببعث فكر صيانة الحقوق موازاة مع فكر الإلتزام بالواجبات، وفي المجتمع بإعلاء مبدأ تكريم الإنسان واحترامه وجعل قيمته في ما يحسنه، وفي التدين والعبادة بتأسيسها على قيم التراحم والتعاون عوض التشاحن والتباغض..
إن تراثنا كيمياء حقيقية، ولكن أين من يعرف كيفية استعمالها وصفة النفع بها، وكأن الناس في عصرنا اتفقوا إما على الكفر بهذا التراث والخجل من الانتساب إليه، وإما على اللجوء إليه والعيش داخله في انقطاع عن العالم والعصر والناس، وذلك كله تطرف مهين وغلط مشين، وإنما الواجب بذل الجهد في الجرد والجمع والفهم والتحليل والاستقراء والاستنباط، ويقوم بذلك علماء الأمة الحقيقيون الذين يعيشون في زمننا بعيدا عن الأعين وخفية عن الأنظار، لايعرفهم الكثيرون..وكيف يبرزون للناس وهم يكرهون الشهرة ويزهدون في الظهور، ثم إنهم يعرفون زهد الناس فيما بين أيديهم، فاكتفوا بالانزواء والاشتغال في صمت بما تيسر لهم من جهود لعل زمنا آتيا ينصفهم ويبرئ ذممهم من الإهمال والتقصير ..
هذا تراثنا إذن منسي بيننا، نزهد فيه ونبيعه بأبخس الأثمان، ويعمد الأخرون إلى بعض أجزائه فيجلون صدأها ويلمعون معدنها فإذا هي بين أيديهم ذهب مسبوك وعقيان صاف يخطف الأبصار ويبهر الأذهان ويتغالى الناس في أثمانه، فواها لأمة أضاعت تراثها وفرطت في ميراث أجدادها.. ولم تدرك عاقبة ذلك إلا بعد فوات الأوان، والله المستعان.

الجمعة، 14 مايو 2010

ندوة تكريم الدكتور الجراري...

قبيل انطلاق الجلسة الختامية للندوة إعداد ومشاورات مع الأستاذ الحاتمي منسق فريق البحث
والأستاذ أحمد بومزكو المكلف بالشؤون الثقافية في المجلس البلدي لتزنيت ( تصوير: لحسن بايا)
عقدت منذ أيام ندوة تكريمية لأستاذنا الدكتور عباس الجراري، في موضوع :" الأدب بالجنوب المغربي في القرن 14 للهجرة" وقد شاركت في هذه الندوة بالتنظيم لانتمائي إلى فريق البحث في التراث السوسي  التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير المشارك في تنظيم الندوة، وببحث علمي لأنني من تلاميذ المحتفى به، درست عليه منذ 21 سنة بالدراسات العليا في تخصص الأدب المغربي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط وبالضبط سنتي 1988 و1989 يوم كان يدرسنا بمعية أستاذي الفاضل المرحوم الدكتور علال الغازي والأستاذ الدكتور أحمد الطريسي أعراب المعار إلى إحدى جامعات الخليج العربي الآن.
كانت فكرة التكريم قائمة في أذهاننا منذ احتفى به طلبته سنة 1997 بمناسبة بلوغه سن الستين ثم حينما تم تكريمه بكلية الرباط عند تقاعده سنة 2002، وقد حضرت تلك الندوة، وكان المرحوم عبد الله درقاوي رحمه الله، وهو أستاذ بمركز تكوين المفتشين بالرباط، واحد تلاميذه الأوائل بمدينة فاس، حاضرا فصار يحثني على تنظيم تكريم للأستاذ لدوره في خدمة أدب منطقتنا سوس، وحدبه ورعايته ومحبته للسوسيين،حتى تخرج عليه منهم طائفة كبيرة ولكون أصله من هذه المنطقة، وبالضبط قبيلة أولاد جرار. فوعدته خيرا، وأن أستشير زملائي الأساتذة في ذلك الأمر لنعد العدة المناسبة..مرت أيام وأيام  وتوفي الأستاذ عبد الله درقاوي رحمه الله إثر وعكة صحية، ثم إذا بالسنة قد مرت على الاحتفال السابق ودعيت للمشاركة في ندوة علمية نظمها النادي الجراري حول الرحلات الداخلية، فجئت الرباط وقد حدثت زملائي عن اقتراح التكريم فتحمسوا له، ولقيت الأستاذ الجراري فذكرت له ذلك فرحب واستجاب واشترط أن يكون من فقرات التكريم زيارة منطقة أولاد جرار..
رجعت إلى مدينة أكادير بالقبول والشرط، وصرنا نعد العدة ونقترح المواعيد وفي كل مرة يطرؤ طاريء يمنعنا من الوفاء بالوعد .. وعدنا الأستاذ ثلاث مرات لم نستطع الوفاء إلا في الثالثة، وكان ذلك كله خيرا وخيرا كثيرا، فقد إلتأمت الندوة أخير يوم 22 جمادى الأولى 1431 موافق 7 ماي 2010، وتقاطر المدعوون على مدينة تزنيت، بعد أن تحمس المجلس البلدي للمدينة لاحتضان الندوة وانضاف إليه المجلس الجماعي لأولاد جرار، ثم جاء الأستاذ ليحل على الجميع ضيفا كريما بين أهله وأقاربه وبني عمومته..
ومرت الندوة وكانت ناجحة بكل المقاييس، فمن الناحية العلمية عالجت موضوعا  مهما وهو دراسة التحولات التي لحقت الأدب في الجنوب المغربي بأنواعه واجناسه وتنوعه اللغوي ( عربيا فصيحا وملحونا وامازيغيا وحسانيا) قبل الاستعمار وأثاءه وبعده، وقد تصدى لذلك طائفة من المتخصصين في دراسة أدب الجنوب بسوس ودرعة والصحراء، وكان غرضهم جميعا إبراز هذه التحولات واستشراف الآفاق المستقبلية لأدب مجتمع يصارع للحفاظ على قيمه وثوابته أمام المد الغربي الكاسح، وجعل الندوة وقفة علمية لتقييم هذا الأدب ومعرفة مساراته وتحولاته.
ومن الناحية الاجتماعية كانت زيارة منطقة أولاد جرار فرصة للدكتور الجراري ليجدد الصلة بأهله وذويه، وكان هؤلاء في المستوى فاستقبلوه بما يليق بمقامه العلمي، فهو أستاذ الأجيال وعميد الدراسات الأدبية المغربية في الجامعة، والمؤلف في الفكر والإصلاح والثقافة، ثم بمقامه السياسي فهو مستشار جلالة الملك وصاحب الحظوة والمقام الجليل في هرم السلطة المغربية، وذلك كله يشرف المنطقة ويفتح لأبنائها الآفاق لبلوغ منتهى الأمال برؤية أحد أبناء عمومتهم وقد ارتقى سلم المجد العلمي والجاه إلى أعلى مراتبه.
كانت فقرات الزيارة كثيرة لكن أبرز ما استوقفني مفاجأة أعدها أحد أعيان القبيلة الجرارية وهو السيد الحاج عبد الله مصدق للحاضرين ومنهم الدكتور عباس الجراري، حينما حرر وثيقة بتمليكه حصة من سقي عين أولاد جرار الثرة، معبرا برمزية دالة على احتضان القبيلة الجرارية لابنها الزائر ورغبتها في ارتباطه الدائم بموطنه الأصلي.. وقد وقعت هذه المبادرة من الدكتور الجراري موقعا حسنا عبر عنه في كلمته بالمناسبة، وفي سروره بالندوة كلها وشكره للقائمين عليها، وقوله أنه لم ير في كل التكريمات التي  نظمت له بمختلف مناطق المغرب، مثل هذه الحفاوة والعفوية والمحبة والصدق المتبادل، ولا غرابو في ذلك ما دام تكريمه هذه المدرة كان في بلده وبين أهله وذويه.
انتهت الندوة، وكنا نحن المنظمين في غاية السرور والسعادة لأنها بلغت الغاية وحققت جميع الأهداف، حققت الهدف العلمي بالمستوى الرفيع للأبحاث الملقاة، والهدف الثقافي بجمع الناس حول الاحتفاء بالتراث والأدب والفكر، والهدف الاجتماعي بتمتين الصلات والتعارف والتواصل.
أخيرا : قال لي أحد الفضوليين يوما ( وكان منعزلا عن الناس لا يشارك في اللقاءات إلا نادرا ودأبه الاشتغال بالتأليف): إن هذه الندوات التي تنظمونها خارج الحرم الجامعي قليلة الفائدة من الناحية العلمية. أجبته: إننا في فريق البحث في التراث السوسي لا نفرط  أبدا في المستوى العلمي مهما كان، ولكننا نحرص مع ذلك على ربط الفكر والمعرفة بالمجتمع، فنخرج أنشطتنا العلمية إلى الناس ليعرفوها ويعتادوها وينتفعوا بها كل على قدر فهمه ووعيه، وإلا فما فائدة معرفة تتحصن وراء أسوار الجامعة ولو كانت في أعلى المستويات العلمية، ولا تخرج إلى الناس لتبصرهم بماضيهم وتكشف لهم حقائق حاضرهم، وتدفعهم إلى التفكير في مستقبلهم.. هذه هي المعرفة النافعة الحية، وإلا فما حاجتنا إلى المومياءات المحنطة..
مزيد من التفاصيل مع تقرير الندوة هنـــــــــــــــــا

الخميس، 6 مايو 2010

حكاية البيروقراطية....

حدثني أحد  أصدقائي الموظفين في إحدى الإدارات، قال:"  كانت هناك نملة تعمل في إدارة، وكانت نشيطة متحمسة في عملها، تعمل بجد واقتدار ومهارة في كل ما أوكل إليها من الإدارة المركزية، وتنجز مهامها بكل جدارة وإتقان وفي أسرع الأوقات، مما استرعى انتباه رؤسائها، فقرروا المحافظة على وتيرة العمل عندها ودراسة كيفية عملها، فأرسلوا صرصورا كسولا  ليراقبها ويرفع تقارير متواصلة عنها، تسلم الصرصور عمله الجديد وكان عليه أن ينجز في كل يوم تقارير إحصائية لأعمال النملة، وطريقة اشتغالها، ويقوم برقنها وإرسالها إلى الإدارة المركزية، ولما كانت النملة نشيطة استعصت عليه مجاراتها، وبعد مدة قرر أن يطلب موظفا جديدا لمساعدته، وشيئا فشيئا تكاثر الصراصير والخنافس ما بين من ينجز التقارير ويرسلها ومن يقوم على خدمته وإعداد الشاي والقهوة،ومن يقوم بشراء لوازم المشروبات وإعداد صفقات الشراء..وإحضار الجرائد  وتوزيعها على الموظفين... واحتاجت النملة إلى اقتطاع جزء من الوقت الذي كانت تصرفه في القيام بمهامها للإجابة على أسئلة الموظفين المحيطين بها فيما يتعلق بعملها، كما كانت مضطرة في كل مرة يعين فيها موظف جديد أن تترك عملها وتتفرغ لإخباره بطرق الاشتغال وحيثيات الإنجاز ، فأدى ذلك  إلى تناقص وتيرة عملها، ولفت ذلك نظر الإدارة المركزية التي سارعت إلى إرسال لجنة من الخنافس لدراسة الوضع. حلت اللجنة بالإدارة وبقيت عدة أيام لتقييم الحالة ودراستها، وبعد تحليل مستفيض خلصت إلى أن المسؤول الأول والأخير عن تراكم الأشغال هو النملة، فحررت تقريرا مطولا أرسلته إلى المدير المركزي الذي بنى عليه قراره النهائي بطرد النملة من العمل، لأنها لم تعد تنجز الأعمال المطلوبة في الأوقات المحددة..."

الأربعاء، 28 أبريل 2010

المكتبة العياشية في الرباط.

حضرت مؤخرا ندوة علمية مهمة بدعوة من المكتبة الوطنية بالرباط حول المكتبة العياشية، شارك فيها ثلة من الباحثين والمهتمين أدلى كل واحد منهم بدلوه في الحديث حول هذه المكتبة وحيثيات إنشائها وتطورها وتنظيمها ومحتوياتها المخطوطة  النادرة، وتأتي هذه الندوة في سياق اهتمام جديد بهذه المكتبة المستقرة في قلب جبال الطلس الكبير الشرقي في منطقة الرشيدية، في الوقت الذي عملت وزارة الأوقاف على بناء مقر جديد بمرافق ثقافية وعلمية مهمة، وتوقيع المكتبة الوطنية اتفاقية للصيانة والرقمنة.
ولقد سررت بهذه الدعوة الكريمة التي وجهت إلي للمشاركة في أعمال هذا اليوم، وكانت الندوة ناجحة بكل المقاييس فقد كان عدد المحاضرين محدودا، وكان جمهور المتابعين على قدر كبير من الدراية والمتابعة، تجلت في النقاشات الغنية التي أثاروها والإضافات الثرة للعروض المقدمة، كما كان التنظيم محكما ودقيقا بهمة الأستاذ الدكتور الحسن تاوشيخت مدير قطب التدبير والمحافظة بالخزانة الوطنية.
لقد تجسد في هذه الندوة ذلك التلاحم المتين بين التراث وأنصاره ومحبيه أولائك الذين يقدرونه ويعرفون قيمته في نهضة المجتمع وترشيد تنميته والحفاظ على قيمه العريقة، وبين مختلف الهيئات المسهمة في تنظيم هذا الملتقى من معاهد ومؤسسات حكومية مركزية ومجالس جهوية وجماعات محلية.
كما تبلورت خلال هذه اللقاء مفاهيم دقيقة للتراث المغربي والعلاقة بين تنوعه الغني وأصالته المبدعة، وبين اختلاف لغاته وألسنته، ووحدة المجتمع الذي نشأ فيه وتطور، وقد بدا وكأن هؤلاء الباحثين - خاصة الذين تعرضوا لجذور هذا التراث وأصوله - وكأنهم اتفقوا على أن هذاالتنوع دليل الوحدة التي جسدها المغاربة في عنايتهم بالعلم واحتفائهم باللغة العربية، وعدم تفريطهم في لغاتهم المحلية الأمازيغية وغيرها، وتشبتهم بالعقيدة الإسلامية والشرع الحنيف، وارتباطهم بالشرعية، ومن نادر المصادفات أن هذا التصور الشامل العميق الذي صدر عنه الباحثون المشاركون، سبق إلى الإشارة إليه والتوطئة له الأستاذ إدريس خروز مدير المكتبة الوطنية في كلمته المتميزة في الجلسة الافتتاحية للندوة.
لقد كانت هذه الندوة فرصة جديدة لإبراز جانب مهمل من حضارة المغرب وإبداعه وإخلاصه للعلم والمعرفة والثقافة والفكر، هذا الجانب الذي تمثله المكتبة العياشية، رجائي الحار أن ياتفت إلى باقي مراكز المعرفة في المغرب إلى المكتبات الخاصة التي تشهد نزيفا يوميا للتراث المغربي نحو بلاد أخرى تعاني الجفاف وتريد أن تستر عورتها التراثية باستجلاب وادعاء التراث المغربي الذي يأبى وهو في هذه الغربة المميتة إلا أن يبرز هويته وانتماءه من خلال مضامينه وخطه وزخارفه وتوقيعات النساخ والملاك.. فهل ننتبه إلى هذا التراث الغني قبل فوات الأوان ؟؟..
في ختام هذا اللقاء العلمي الثري طرحت بعض التوصيات منها عقد لقاء جديد بالزاوية نفسها بعد تجديدها، وطبع أعمال هذه الندوة العلمية ضمن منشورات المكتبة الوطنية..
قريبا بحول الله سأتيح الاستماع إلى كافة عروض الندوة في هذه المدونة، بعدما قام بتسجيلها الأخ الكريم الأستاذ لحسن أيت الفقيه وأتحفني بأريحية وسخاء بنسخة منها، فله جزيل الشكر والتقدير.
والسلام
رابط برنامج الندوة


السبت، 17 أبريل 2010

ندوة العلامة امحمد بن علي أكبيل الهوزالي

الحاضرون في الجلسة الافتتاحية للندوة( تصوير يوسف أمين)

يسر لي الله سبحانه وتعالى المشاركة في ندوة العلامة امحمد بن علي أكبيل الهوزالي التي نظمها فريق البحث في التراث السوسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير بتعاون مع المجلس العلمي المحلي لتارودانت وجمعية تمونت إندوزال، وقد كان الإعداد لهذه الندوة الوطنية قد بدأ منذ عدة شهور واستغرق جهودا وتنسيقا بين الأطراف المنظمة، غير أنه  - والحمد لله - كان ميسرا بسبب وعي كل الأطراف المشاركة وفهمها لأبعاد الندوة وأهدافها، مما أدى إلى تذليل كل الصعاب وتجاوزها، فمرت الندوة في أحسن الظروف والأحوال، وتمكن غالب المدعويين من الحضور ..
نظمت الندوة بمنطقة إكبيلن بقبيلة إندوزال التي تبعد عن مدينة تارودانت  حوالي 50 كلم، كانت أجواء الحماس ونسمات الربيع تتعانق في الخيمة الفخيمة  الضخمة التي ضمت المشاركين جميعا  ( تتسع لحوالي 1000 مقعد) وكانت ذكرى العلامة امحمد بن علي أكبيل تشع على الجميع محبة وألفة وبهجة وسرورا، والحديث عن حياته ومنجزاته العلمية والتعليمية تثير لواعج النفوس وكوامن الصدور، وبين الحين والأخر تسمع ترنمات بعض الحاضرين بمقاطع من الحوض أو بحر الدموع..
كانت هذه الذكرى الفريدة فرصة لتذكر جانب منسي من التراث المغربي الثري، ذلك هو التراث الأمازيغي السوسي ( بلغة تاشلحيت) الذي ضم جهود السلف الصالح من علماء المنطقة في ترجمة العلوم الشرعية إلى لغتهم اليومية،  ذلك أن هؤلاء العلماء هم رواد مجتمعاتهم، قد ذاقوا ما في فهم الإسلام وإخلاص العبادة لله وحده من أمن وسلام، ورغبوا - بما فيهم من خصال الإيثار والمحبة - أن يقربوا لإخوانهم وجيرانهم وأقاربهم هذا الخير الذي وقفوا عليه، وهذه النعمة التي اطلعوا عليها، فشمروا عن ساعد الجد وتفرغوا للعمل المضني، فأثمرت جهودهم، وأخرجوا إلى بني جلدتهم عشرات الكتب والمنظومات  حول الإسلام عقيدة وشريعة وفقه ومعاملة وسلوكا وتربية، يسرت العسير وقربت البعيد وأدنت النائي، ولم يتحقق ما نراه في السلف من قيم المحافظة على الصلاة والاعتزاز بالعقيدة والتزام أوامر الله سبحانه وتعالى واجتناب نواهيه، إلا من عمل هؤلاء المؤلفين ومن سار على هديهم من الوعاظ والدعاة الذين حفظوا هذه الترجمات واستظهروها وأنشدوها في المساجد والزوايا والمدارس والمواسم والمناسبات، فوصلت ترانيمها إلى الآذان وتغلغلت معانيها في النفوس، ومست شغاف القلوب الساهية اللاهية فأيقظت منها العزائم وأحييت فيها الهمم، فأثمر ذلك كله عملا صالحا بنّاء وإنجازات عظمى شهدها التاريخ وشهد لها، حتى بلغ المغاربة في التدين ما عرفه القاصي والداني وقيده الرحالة والإخباريون في مدوناتهم وسارت بذكره الركبان.
نسخة من مخطوط الحوض للعلامة أكبيل  من معرض الندوة ( تصوير إبراهيم أمزيل)

تذكرت هذا كله وأنا أفكر في أول عهدي بالكتاب، كتاب الحوض، كنت آنذاك فتى مراهقا، وقد طبع الجزء الأول منه بعناية المرحوم عبد الرحمان الجشتيمي الرحماني سنة 1977، وقد اقتني والدي حفظه الله نسخة منه فأخذتها وحاولت قراءتها وتتبع حروفها المستعصية عليّ في البداية، وصرت أتلو من بداياتها حتى حفظت مقدمته منذ ذلك الوقت وظلت راسخة في ذاكرتي حتى الآن، كما كنت أتردد على أحد "الطلبة" - وقد توفي منذ زمن رحمه الله - وكان بقالا فسألته عن "الحوض" مرة فوجدته يحفظ بعضه فكنت أحاول مسابقته في الاستظهار.. فكان لذلك وقع عجيب في نفسي واكتشاف بدا لي غريبا وقتها، ثم عدت إلى الكتاب مرات ومرات خاصة عندما ساقتني القدرة إلى تراث سوس دارسا وباحثا، فاطلعت على مؤلفات أخرى للعلامة أكبيل مثل تنبيه الإخوان إلى ترك البدع والعصيان وكتاب بحر الدموع..فوجدت الرجل سنيا متمسكا بمنطوق السنة لا يحيد عنه، وخبيرا بأوضاع مجتمعه وأمراضه  وكيفية مداواتها، ولا أنسى هنا كذلك بعض ما أثارني في مؤلفات هذا العلامة المخلص، ذلك هو اهتمام المستشرقين به، وكنت قد وقفت على نشرة لبحر الدموع بخزانة المجلس العلمي لمدينة تزنيت نحو سنة 1991 نشرها أحد المستشرقين بمدينة ليدن بهولندا. 
وأمر آخر تجلى لي في هذه الندوة المباركة - التي صادفت يوم الجمعة المبارك- وهو قيمة التعاون، فقد تعاونت جهات كثيرة في التنظيم وتآزرت جهود المحسنين المسهمين بالمال، والعلماء والباحثين المشاركين بما عرفهم الله من علم وفكر، وأصحاب السلطة بما في أيديهم من سلطة الأمر والنهي والاستشارة والتطبيق، وخبراء التنظيم بما عرفوا من تدبير وتقدير، وكل الحاضرين بما فيهم من نية حسنة ومحبة للعلم والعلماء ورغبة في مجالس الخير، فكانت هذه الندوة مثل  روضة غناء حافلة بأنواع الورود والأزاهير مختلفة الألوان والروائح العطرة الطيبة والثمار المختلفة، لا يخلو من دخلها من فائدة يجنيها، إما من طيب الرائحة أو جمال اللون، أو نافع الثمار أو لذيذ العسل، أو عذب المياه الصافية الرقراقة.. 
ولعل اكثر ما أثار الحاضرين وأشجاهم منظر الفتية الصغار من قرية أنيّ بإندوزال - غير بعيد عن مدرسة إكبيلن - وهم يترنمون بأصواتهم الطفولية البريئة - في ختام الجلسة الافتتاحية - بباب الطهارة من منظومة الحوض، ترنما نغميا مؤثرا مجسدا لما في هذه المنظومة العلمية من مضامين سديدة وما عرضت فيه من قالب إيقاعي مناسب وما ورد فيها من معان وعظية تخاطب القلب والوجدان معا وتؤثر في العقل والفؤاد لتهزهما هزا عنيفا تارة أو خفيفا حانيا تارة أخرى، لعل القلب يخشع والعقل يخنع لما أراد الله له من هداية وتوبة.
هذه مشاعر تحس ولا تشرح ولعل مشاهدة بعض صور الندوة والاستماع إلى ما ورد فيها من عروض وبحوث وإنشادات يقرب الصورة ويجعلها في متناول العين والفهم..وهذا ما نرجوه قريبا في موقع الندوة على الشبكة، وإلى لقاء قريب بحول الله والسلام عليكم.