بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 21 مايو 2010

الذكرى 25 لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير ..


http://www.univ-ibnzohr.ac.ma/portail_flsh/fadefac.swfتحل في هذه السنة الذكرى الخامسة والعشرون لتأسيس كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، كان افتتاح هذه الكلية حدثا مهما في تاريخ منطقة سوس، وفي مسيرتي الشخصية، كان ذلك سنة 1984، كنت آنذاك قد حصلت على شهادة الباكلوريا، وكنت متحمسا للدراسة الجامعية التي طالما سمعت عنها من زملائي وقرأت عنها في الكتب والسير والمذكرات وفي المجلات، كانت مرحلة علم وجد واجتهاد كما بدت لي وأنا شاب  صغير، أتذكر أول يوم لي في الكلية، أراه أمامي كأنه نقش في الذاكرة، خرجت من مدينة تارودانت مع رفقة لي من الطلبة الجدد في حافلة النقل الجماعي من ساحة أسراك في السابعة صباحا وصلنا أكادير بعد ساعة ونصف، توقفنا في محطة سيارات الأجرة والحافلات الحضرية، استرحنا قليلا في مقهى هناك وتناولنا الفطور، ثم رحنا نسأل عن حافلة النقل الحضري التي تربط الكلية بالمحطة، أخبرنا أحدهم عن رقمها انتظرنا جاءت حافلة صغيرة، ركبنا بعد أداء ثمن التذكرة، وسارت الحافلة بعد حين كان الركاب قلة قليلة  أغلبهم من الطلبة، كان القصد حي القدس آخر منطقة معمورة من أكادير، نزلنا سألنا عن مكان الكلية، أرانا أحد الركاب المنطقة كانت بعيدة عن العمران ولا تكاد تبدو منها سوى الراية في أعلى بنايتها، سرنا وسط حي الداخلة الذي كان خلاء يبابا، إلا من أعمدة الإنارة العمومية، كانت تجزئة سكنية في طور الإعداد، سرنا قاصدين الراية التي كان النسيم العليل بتلاعب بها، تلاعب الأماني والأحلام السعيدة بأفئدتنا، كيف لا ونحن مقبلون على التسجيل في الجامعة؟؟
وصلنا أخيرا.. هذا باب الكلية الضخم، دلفنا إليها، مازالت الكلية ورشا كبيرا لم تنه الأشغال منه بعد، كانت البنايات قد تمت وبعضها لما يصبغ، وأرضها عارية لا شجر ولا عشب فيها، كانت مقفرة، أو هكذا بدت لنا، ولكن الجدة كانت في كل مكان، كانت رائحة الجدة تفوح من البنايات والأبواب، كانت أصوات المطارق والبنائين والنجارين وغيرهم تملأ المكان، سألنا عن مكان التسجيل، كان كل شيء معدا لاستقبالنا، وجهنا أحد ما إلى المدرج، وجدنا فضاء كبيرا جدا لم نتخيل وجود مثله في الجامعة ومقاعد طويلة ممتدة، ولوحا أسود امامه مكتب كبير للأستاذ، كان كل شيء في الكلية يوحي بالضخامة والعظمة، مما زادنا رهبة وتوجسا بددهما الأساتذة الحاضرون في المدرج للإشراف على التسجيل ما زلت أذكر الأستاذ الزميل ( الآن) الدكتور مولاي الحسن السكراتي وهو جالس يشير على الطلبة ويهديهم لكيفية تعبئة الأوراق والملفات، جلسنا وقد اخذنا الملفات ودققنا في الخيارات، إلى أي شعبة ننتمي، كانت الشعب المفتتحة آنذاك قليلة جدا الفرنسية والتاريخ والجغرافيا واللغة العربية، كان الأمر بالنسبة لي محسوما، لا مكان لي إلا في شعبة اللغة العربية..
سلمنا الوثائق تأكد الأستاذ السكراتي من تعبئة الملفات بطريقة سليمة ثم سلمنا أحد الموظفين وصل التسجيل في انتظار تجهيز بطاقة الطالب.
مر وقت غير قليل في انتظار انطلاق الدراسة قضيناه في البحث المضني عن السكن، ويا له من بحث مضن، لم يكن الناس يعرفون معنى كراء منازل لسكنى الطلبة، ولا كيف يتعاملون معهم وكانت المساكن بعيدة جدا عن الكلية، لدرجة أنني في بعض السنوات كنت أقطن بمدينة إنزكان على بعد أزيد من 8 كلم من أكادير، ثم مرة أخرى في حي ودادية الموظفين أو في حي الخيام..
وأخيرا جاء وقت الدراسة ..انطلقت المحاضرات ولمّا تنتهي أشغال البناء والتجهيز، وبقينا لمدة شهور نسمع أصوات المطارق وهي تقطع علينا الدروس، ولم تجهز المدرجات بمكبرات الصوت إلا بعد مدة، ومع ذلك كانت تلك انطلاقة بديعة لمسيرة جديدة في حياتنا فتحت لنا أبواب المعرفة وآفاق العلم والفكر.. بفضل أساتذة أفاضل كانوا من الجيل الأول المكافح في التدريس بالجامعة، جيل الآباء المؤسسين الذين لن ننسى فضلهم - نحن أبناء تلك السنوات الأولى - منهم من التحق ببارئه ومنهم من تقاعد ومنهم من مازال قائما على الواجب لا يفرط فيه، سأذكر منهم الأستاذ محمد الماكري رحمه الله، والأستاذ محمد بزيكا عافاه الله، والأستاذ أيت وادريم رحمه الله، سأذكر منهم الوالد كما كنا نلقبه أستاذنا محمد المنزيل حفظه الله، والأستاذ محمد المغراوي الذي انتقل إلى كلية الآداب بالرباط والأستاذ محمد بلبول كذلك، والأستاذ عز الدين بونيت المندوب الجهوي للثقافة حاليا، والدكتور اليزيد الراضي رئيس المجلس العلمي المحلي لتارودانت حاليا، والأستاذ محمد الناجي والأستاذ محمد زاهي أعانهم الله، سأذكر منهم الأستاذ اللطيف الدكتور محمد الجابري، والأساتذة الذين مازالوا على ساق الجد الدكاترة محمد خطابي ومحمد حفيضي وإبراهيم الوافي ومحمد رضوان.. وغيرهم من الرواد الأوائل.. ولا انسى إدارة الكلية التي لم تكن تعنينا نحن الطلبة، ولم نكن نعرف منها سوى شبابيك شؤوننا لنسحب منها أوراق المنح أو الأوراق الإدارية، لا أنسى الأستاذ حسن بنحليمة الذي اشتغل بكد ودأب لتأسيس هذه المؤسسة العلمية وأعطاها من وقته وجهده ما جعلها في زمن وجيز تزاحم الكليات العريقة بالمغرب..لا ننسى الندوات والدروس الافتتاحية ولمحاضرات والأنشطة المستمرة..
ما أحلى تلك الذكريات وما أمتع تلك اللحظات الجميلة..وما أجمل أيام الدراسة والجد في المعرفة وطلبها، مرت أربع سنوات كطيف خيال أو حلم وسنان، وخرجنا من اكادير إلى آفاق بعيدة نستشرف منها معالم الأخذ وتعميق المعرفة..
ها هي ذي 25 سنة قد مرت، تقلبنا فيها ما شاء الله لنا أن نتقلب نحن أبناء ذلك الجيل السابق، جيل أوائل الطلبة بالكلية، وشاء الله تعالى أن أعود إلى العش الذي درجت منه، لأرافق من كانوا قبل حين أساتذتي وشيوخي، ولأرى الكلية والجامعة من زاوية جديدة: زاوية التدريس وحمل الأمانة..
مرت السنوات وكبرت الكلية وتغيرت أمور كثيرة وذهب أناس وجاء آخرون، وحدثت أحداث ووقعت وقائع، وتطورت الكلية نحو الأحسن تارة واتجاه الأسوء تارة أخرى، وهي تترنح في مسيرتها كأنها سفينة شامخة في محيط ثائر.. غير أنها مازالت هي هي تلك التي استقبلتنا في أحد أوائل أيام شهر شتنبر من سنة 1984 طلبة شببة صغارا مبتهجين من خروجهم حضن الأسرة والمنزل والحي والمدينة لاستشراف الأفق الأبعد، أحيانا حينما تخلو الكلية من كل ضجيج، حينما أسير فيها وحيدا تقريبا، ترجع إلي الذكرى، وتتزاحم الصور أمام ناظري، وأسمع خلال حفيف أوراق الأشجار صوتا رقيقا هادئا ينبهني: هنا كنت تجلس، هنا كنت تدرس، هنا كنت مع زملائك فلان وفلان تتجمعون، في هذه القاعة كنت تدرس عند الأستاذ الفلاني، هنا من هذا المدرج جلست إبان ندوة تارودانت حاضرة سوس واستمعت إلى عرض الأستاذ المرحوم عبد الله الكرسيفي، أتذكر الدرس الافتتاحي للدكتور عباس الجراري حول الأدب في الصحراء.. في هذا الجانب رأيت الأستاذ محمد حجي رحمه الله لأول مرة يتجول في الكلية.. في هذه القاعة كنتم تجتازون الاختبارات الشفوية الأخيرة..
حيا الله تلك الأيام وهنيئا لكليتنا بذكراها الفضية، وهنيئا لكل من أسهم في بناء هذا الصرح العلمي الشامخ، هنيئا لكل من استفاد منها وعرف لها حقها، وهنيئا لكل من أفاد بها وأدى الواجب كما ينبغي، هنيئا هذه الذكرى ذكرى تأتي  والكلية تعاني وعكة  أخلت بحيويتها المعهودة، فأضحت طريحة الفراش مما بها من أسقام، ولعل المعنيين بها ينتبهون إليها، فيداوونها بما يشفيها ويعود بها إلى سابق نضارتها، فهي لم تشخ بعد، بل لم تفارق عهد الشباب والفتوة.. ومازال في جعبتها الكثير مما تقدمه لجهتها ولمحيطها البار الخيرّ...

هناك تعليق واحد:

سعيد سليماني يقول...

تحية أستاذنا الكريم المهدي السعيدي
و الله لقد اغرورقت عيناي بالدموع و أنا أطالع مقالكم الرائع، كيف لا و قد عدت بي إلى أيام لن تمحى أبدا من الذاكرة..نعم ذاكرة الفوج الأول الذي حل بالكلية و كله حيوية و إصرار لتجاوز الصعاب و المحن..أحيانا أتخيل أننا كنا -أقصد الفوج الأول الذي حل بالكلية-آخر من كان يحمل هم الدراسة و طلب العلم بكل ما تحمله الكلمة من معنى ...
لقد مضت 4 سنوات من عمر تواجدنا بالكلية كالبرق لم نشعر بما كنا نعانيه من مشاكل وصعاب لانها كانت ممزوجة بالرغبة في التعلم و تحقيق الدات، لقد كنت أكثر حظا باستمرار تواجدي في الكلية عاما آخر جعلتني أنسى ما تعرضت له في الإمتحان الشفوي-سامح الله من كان السبب-
و أنت تعرض بالإسم للاساتدة الأجلاء فوجئت بمصير بعضهم و فرحت في المقابل للمناصب التي يوجد فيها بعضهم الآن
من المؤسف أن لا نعود مجددا للكلية مند تخرجنا منها ..أحيانا ألوم نفسي هل تصدق الأخ المهدي ان قدماي لم تطأ حرم الكلية مند ما يزيد على 24 عاما شيء مؤلم حقا أن تكون هذه القطيعة بهدا الشكل..
ما لا يعرفه الكثيرون أننا كنا داخل الكلية كالجسد الواحد يساعد بعضنا البعض لا فرق بين دكر و أنثى..
تمنيت أن توجد صفحة على الأنترنت تعيد دكريات الفوج الأول حيث تكون مكانا للتلاقي و تبادل الأفكار و المعلومات و التجارب..
نتمنى أن يكون هدا المقال الفريد بداية لمناقشة الفكرة...
كلمة أخيرة:
هل تتدكر الأخ المهدي أننا كنا نتناول وجبة الغداء في المزارع المحيطة بالكلية و التي كانت تكتسيها زرابي من الورود..