بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 16 مايو 2010

تراثنا والفرصة الضائع..

شاهدت منذ مدة شريطا قصيرا بمناسبة المعرض المقام بأنكلترا حول الحضارة الإسلامية تحت عنوان " ألف اختراع واختراع..1001inventions" المنظم في شهر يناير الفارط، وهو معرض يعنى بعرض اختراعات المسلمين التي أثرت ولازالت تؤثر في حياة الناس اليوم في بيوتهم وفي مدارسهم ومستشفياتهم ومدنهم.. وغير ذلك، لقد امتعني هذا الشريط كثيرا كما أمتع كثيرين حتى إنه نال جوائز كثيرة في مهرجانات الأفلام،حقا لقد أغفل الشريط أسس ودوافع الإبداع عند المسلمين، إلا أنه مفيد لطرافة موضوعه ولجودة إخراجه وتنسيقه، ولكونه شريطا تربويا غاية في الإفادة، كما دفعني التفكير فيه وفي حيثيات إنتاجه إلى تسجيل جملة ملاحظات، أؤجل سردها إلى حين، والآن مع الشريط الرائق، وهو منقول من موقع قناتك.


شاهدت هذا الشريط، وبقدر ما أمتعني وأسعدني ما ورد فيه من أفكار، والطريقة التي قدمت بها منجزات الأجداد، تلك المنجزات التي شارك في إبداعها المسلمون من كل الأقطار ومن كلا الجنسين، حينما كان المبدأ الذي وحدهم هو لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحينما كان التفاضل بالتقوى في العقيدة والإحسان في العبادة والمعاملة، حينما كانت الدنيا مشرقة بروح إيمان المؤمنين وصدقهم.
 بقدر ما أسعدني ذلك كله  شعرت بالحزن والأسف لما آل إليه حالنا في عصرنا الحديث من ناحية ولما يعكسه هذا الشريط - إذا قورن بالواقع - من ضعف الأمة وتخاذلها وانتشار الجهل والأمية وسط أبنائها، ليست فقط بين عامة الناس ودهمائهم ولكن في النخب الممسكة بمقاليد الأمور، تلك النخب التي لا تدرك عظمة هذه الحضارة وقوتها، ولا تعرف كيفية الاستفادة منها، وإنما حظها مظاهر خادعة وكلمات مرصعة تزخرف بها خطب المناسبات..
كل ذلك جعلني أتساءل هل نستحق فعلا أن نكون أحفاد أولئك العظماء من العلماء الذين أجهدوا أفكارهم في خدمة الوحي فهداهم إلى سبيل الرشاد ووضع أيديهم على أسرار الخلق والوجود، وسددهم إلى  رؤية ما لم يره غيرهم قبلهم.. هل نستحق الانتماء إلى هذه الأمة الراشدة المهدية؟ أم أننا طغام جاهل بليد لا فائدة فيه خلفته تلك الموجة الحضارية العظيمة وراءها غثاء كغثاء السيل، يزجي الأيام بالانتساب ولم يصنع في يومه ما يؤكد صلته بمن رحل قبله من الصانعين العظام..
أمر آخر وقفت عنده، وهو الفكرة التربوية التعلمية للشريط، التي جسدت فكرة أساسية طالما تغنى بها الكتاب والمفكرون وحاضر حولها الفلاسفة المؤرخون، وهي سبق الحضارة الإسلامية في كثير من ميادين الحضارة والفكر والعلم وإسهامها الثر في كل المجالات..وكثيرا ما صمّ المستشرقون ومن تابعهم من الجاحدين آذانهم حتى لا يسمعوا هذه الحقائق وأغلقوا أعينهم كي لا يروها، وقد أحسن منتج الشريط فخاطب عامة الناس في الغرب وفي الشرق معا، وترك المتخصصين لهمومهم، وما يهمنا نحن هنا ليس عزف اللحن القديم الممل حول المسلمين وأعمالهم، وإنما نقصد ماذا سنفعل بعد هذا؟ معرض حول اختراعات المسلمين في لندن وشريط يحصد الجوائز ؟؟؟ أين نحن من كل ذلك، هل نبقى عاجزين عن خدمة التراث بالتعريف به وذلك أضعف الإيمان..؟ متى سنضع أيدينا على هذا التراث لا لنحفظه ونقدسه ونجله، ولكن لنخدمه بنخله وفصل البعر فيه عن الجوهر، وأخذ العناصر النافعة منه وجعلها وسيلة لتنمية الإنسان والمجتمع، ووضع خطط التطوير بعيدا عن كل بهرجة وزيف، متى سنعطي القوس باريها فنخدم هذا التراث في الإعلام بإبرازه وجعل رجاله ونسائه مثلا يحتذى، وفي التعليم بالرجوع إليه والاستفادة مما فيه من مناهج وطرق ومعارف، وفي الأسرة بإحياء الارتباط العائلي وتقديس علاقات المحبة والتواصل بين ذوي الرحم، وفي الاقتصاد بإحياء اجتهاد علماء الإسلام في تدبير المال وتنميته وجعله وسيلة لتكريم الإنسان لا غاية نتيجتها إذلاله، وفي القانون ببعث فكر صيانة الحقوق موازاة مع فكر الإلتزام بالواجبات، وفي المجتمع بإعلاء مبدأ تكريم الإنسان واحترامه وجعل قيمته في ما يحسنه، وفي التدين والعبادة بتأسيسها على قيم التراحم والتعاون عوض التشاحن والتباغض..
إن تراثنا كيمياء حقيقية، ولكن أين من يعرف كيفية استعمالها وصفة النفع بها، وكأن الناس في عصرنا اتفقوا إما على الكفر بهذا التراث والخجل من الانتساب إليه، وإما على اللجوء إليه والعيش داخله في انقطاع عن العالم والعصر والناس، وذلك كله تطرف مهين وغلط مشين، وإنما الواجب بذل الجهد في الجرد والجمع والفهم والتحليل والاستقراء والاستنباط، ويقوم بذلك علماء الأمة الحقيقيون الذين يعيشون في زمننا بعيدا عن الأعين وخفية عن الأنظار، لايعرفهم الكثيرون..وكيف يبرزون للناس وهم يكرهون الشهرة ويزهدون في الظهور، ثم إنهم يعرفون زهد الناس فيما بين أيديهم، فاكتفوا بالانزواء والاشتغال في صمت بما تيسر لهم من جهود لعل زمنا آتيا ينصفهم ويبرئ ذممهم من الإهمال والتقصير ..
هذا تراثنا إذن منسي بيننا، نزهد فيه ونبيعه بأبخس الأثمان، ويعمد الأخرون إلى بعض أجزائه فيجلون صدأها ويلمعون معدنها فإذا هي بين أيديهم ذهب مسبوك وعقيان صاف يخطف الأبصار ويبهر الأذهان ويتغالى الناس في أثمانه، فواها لأمة أضاعت تراثها وفرطت في ميراث أجدادها.. ولم تدرك عاقبة ذلك إلا بعد فوات الأوان، والله المستعان.

ليست هناك تعليقات: